مع تقدم الحياة وتعقد التفاعلات بين مكوناتها الإنساني منها والمادي، تطورت العلوم استجابة لمتطلبات حياتية كانت كثير منها يبدو خيالا علميا، لكنها غدت اليوم حقيقة واقعة، وفيما يبدو أنه ضريبة للحياة المدنية بإيقاعها السريع، نجد أن حوادث السير بوابة انتقال 1500 شخص يوميا لمغادرة دنيانا، مع ملاحظة أن 90 % من هؤلاء هم في دولنا التي تسمى بالنامية.
تبعا لذلك تطورت علوم متعلقة بهندسة الطرق، تسعى لضمان طريق آمن بأقل مقدار من الحوادث، وأقل خسائر ممكنة، وأعلى مستويات انسيابية الحركة المرورية، وذلك باستخدام تقنيات أفرزتها التكنولوجيا الرقمية، وعلوم الحاسوب وبرامجه المتقدمة التي حلت مشاكل شتى كانت تواجه العلماء وتعيق اكتشافهم للقوانين السارية في الكون الفسيح.
تفاعلات وحوادث
نحن هنا لا نتكلم عن تفاعلاتنا نحن كسائقين مع بعضنا بالكلمة، الطيبة أو غير الطيبة، ولا عن حواراتنا بأجهزة التنبيه، ولكننا نتكلم عن تفاعلات تشمل الطريق والمركبة والسائق، هذه التفاعلات تتم بطرق مختلفة، ولأسباب متنوعة منها قرارات السائقين بالدرجة الأولى، وكل هذه المعطيات أصبحت مجال اهتمام علم هندسة أمان الطرق.
إن علم هندسة أمان الطرق هو فرع ريادي في الدول المتقدمة، يدرس عبر أساليب عديدة العلاقة بين المركبة والسائق والطريق، عبر دراسة المخالفات المرورية، والتوعية بها، وتجهيزات البنية التحتية، ناهيك عن دراسة تصميم الشوارع والطرق تحقيقا لانسيابية المرور، وأمانه.
تحليل الحوادث أول الخطوات
يقوم باحثو علم هندسة أمان الطرق بتحليل آلاف الحوادث المرورية، والبحث في مجريات كل حادثة على حدة، عبر تحركات المركبات التي وقع الحادث بينها، ودراسة التفاعلات التي قادت لاتخاذ السائقين قراراتهم قبل الحادث، وذلك بغية الوصول لفهم العلاقات المتبادلة بين السائق والطريق والمركبة.
تقنيات التحليل والتطور المستمر
من أهم التقنيات الحديثة المستخدمة في تحليل الحوادث تقنية التحليل المرئي الآلي، والتي تتكون من آلة تصوير بسيطة تثبت عند التقاطعات والإشارات المرورية الضوئية، لتقوم بتصوير المركبات، وتفاعلها مع بعضها أثناء السير،وتقيم آليا مدى شعور السائق بالراحة أثناء المرور بهذا التقاطع، ومن المعطيات التي تؤخذ بعين الاعتبار هنا: مدى اقتراب أو بعد المركبات عن بعضها وعن المشاة في الطريق.
تقنية التحليل المرئي الآلي تعتمد بشكل كبير على موقع آلة التصوير عند التقاطع، وارتفاعها، والزاوية التي تصور منها هذه المركبات، وتبدأ المرحلة الأولى من التحليل المرئي بتصوير التقاطع ليوم أو يومين، ثم يتم تحديد التقاطع، وأخذ صورة من مقطع الفيديو، وصورة من موقع جوجل لنفس المكان، وتحديد النقاط المتماثلة في الصورتين كما هو موضح في الصورتين.
كيف تعمل؟
طور الباحثون إسماعيل وطارق السيد وسونيور (2010) بجامعة بريتيش كولمبيا عدة برامج حاسوبية، تقوم بمراحل التحليل المرئي للتقاطع، (والصور المرفقة من نفس البحث) فتبدأ بمرحلة ربط مقطع الفيديو بصورة خرائط جوجل وتعرف بمرحلة ضبط الكاميرا (camera calibration)، وذلك لضمان تماثل تحركات المركبات في الفيديو تماما مع المسافات والمساحات الموجودة على الواقع.
بعد ذلك، تبدأ مرحلة تحليل مقاطع الفيديو بتقنية التحليل الصوري (Image processing)، وذلك باستخدام صورة للتقاطع خالية من المركبات والمشاة، لتقارن بصورة تتبع مشاهد مقطع الفيديو لحظة بلحظة (frame )، حيث إن مقطع الفيديو عبارة عن مشاهد (frames) تكرر بمعدل 29 مشهد في الثانية.أ
ومع تكرار المقارنة بين الصورة الثابتة (الخلفية) الخالية من أي مركبة مع مشاهد الفيديو سريعة التكرار، تنتج عبر برنامج الحاسوب المستخدم مجموعة من النقاط المتحركة في المقطع، وتتجه بنفس اتجاه المركبات والمشاة، كما هو موضح في الصورتين بالأسفل . وعبر هذه المقارنات الفورية، يحدد البرنامج الحاسوبي اتجاه وحجم وسرعة المركبات والمشاة، كما هو موضح في الصورة الجانبية.
يعقب تلك المرحلة، تصميم جداول ضخمة لكل المركبات والمشاة الذين تم تحديدهم في مقطع الفيديو، بكل التفاصيل حول الحجم والسرعة والاتجاه، ويقوم البرنامج الحاسوبي بحساب التفاعل بين هذه المركبات، وذلك عبر عدة طرق أهمها: حساب الوقت الفاصل بين إمكانية اصطدام مركبة بأخرى وإمكانية عدم التصادم (Time to Collision)، وكلما قل هذا الوقت، كلما كان التفاعل حادا، والتقاطع أكثر خطورة، وكلما قلت احتمالية تصادم المركبات وبعضها، كلما كان تصميم التقاطع أفضل وكانت حركة المرور أكثر انسيابا وأمانا.
وتتميز هذه التقنية ببساطتها، وقلة تكلفتها، وسهولة تنفيذها في كل التقاطعات التي تتوفر بها كاميرات مراقبة السرعة، والمخالفات المرورية، وتتميز أيضا طريقة دراسة الأمان بأكملها، بأنها تدرس أمان التقاطعات بتحليل التفاعل بين المركبات دون انتظار تكرار الحوادث في التقاطع، وكانت الطرق السابقة تعتمد بالأساس على كم الحوادث المتكررة في التقاطعات، ومع زيادة الحوادث في تقاطع ما، يبدأ المهندسون دراسته لتحليله وتعديل تصميمه، ولكن طريقة التحليل المرئي تخلصت من الوقت المهدر في أنتظار الحوادث، والخسارة المادية والمعنوية فيها، مع دراسة التقاطعات دوريا وباستمرار بأبسط التكاليف ما يضمن المسارعة في علاج التصميم عند الضرورة لضمان مستويات أمان أعلى في الطريق، وانسيابية أكثر لحركة المرور.


